في يوم دفني…
أخاف من الموت. أحسد أصدقائي الذين لا يخافون، اولئك الذين يؤمنون بالجنة وبأنّهم سيكونون من أهلها. أنا لا أنكر وجودها. أنا فقط لا أعرف اذا هي فعلا موجودة أم لا. لو تأكدت لما خفت من الموت. بل كنت لأنتظره. لا أذكر متى توقفت عن الايمان بالجنّة وجهنّم. ربما عندما أصبحت الجهنّم التي يصورونها أجمل من الجنّة بالنسبة لي. وقد كان ذلك منذ زمن طويل.
أخاف من الموت بكل أشكاله. أخاف أن أموت، لكني ارتعب من فكرة أن يموت الاشخاص الذين أحبّهم. هل تعودت على فكرة الموت؟ لا أدري، قد أكون فعلت، لكني لم استطع ان اتوقف عن التفكير فيه.
أنا، فتاة في العشرين من العمر، قتلت نفسي مئات المرات. في كلّ مرة، أرسم مشاهد الدفن. لا يهمني كيف متّ، المهم انني هناك، ممدة بالفستان الابيض… جميل، فستان عرس حقيقي لا فستان دفن. كثيرون يلتفّون حولي. الكلّ يبكي… هم فعلا أحبوني. المجتمعون حولي على الاقلّ.
هنا أختي لم تتوقف عن مناداتي والبكاء. أنا أسمعها، أمسك بيدها، أريد أن أواسيها… لا أستطيع. هل ما زالت غاضبة لاني لم أرتب خزانتي؟ تبدو ضعيفة هنا، مكسورة الخاطر… مفجوعة حتى. كانت دوما تبدو صلبة. يبدو انني كنت أكثر صلابة منها، ولو لم يكن ذلك جليّا. ماذا ستفعلين بتختي؟ هل ستنامين فيه لبضعة أيّام؟ ستنامين وحدك من الآن فصاعدا. اعرف انك ستشتاقين إليّ. كثيرا. لا تبدين جميلة في الاسود. لطالما قلت لك أن تلبسي الاحمر يوم مماتي. هل عليك فعلا ان تتقيدي بهذه التقاليد البالية؟
في الجهة المقابلة، يقف والدي، بعينين دامعتين لم أعتدهما، ليتقبل التعازي. هذه طفلتك الصغيرة قد رحلت، هي التي دللتها وقضيت الليالي الطوال بجانبها ترحل دون رجعة. كم تتمنى لو تستطيع أن تجلس قربها الآن، ان تقبلها على جبهتها كما فعلت دوما، ان تقوم بتلك الحركة التي تلمس فيها انفها، حركة طالما أضحكتها. تريد أن تودعها، ان تنفرد بها دقائق قليلة، ان تشرح لها كم تحبها… أشعر بالغصة في قلبك… يداك ترتجفان. لا يا أبي، لا تنهر أمامهم. لا أحبّ أن أراك تضعف أمامهم.
حضر كثير من أصدقائي. بعضهم لم يسمع بالخبر حتى الآن. لا ألومهم، فأنا لن أحضر دفنهم. لا أريدهم ان يبكوا. ما نفع البكاء؟ ولكنهم يبكون فتختلط دموعهم بدموعي. بعضهم لم يكن يحبني. لماذا يتظاهرون بالحزن والاسى؟ أنا اوصيتكم منذ زمن ان تطردوا الكاذبين المنافقين المتباكيين. لماذا لا تحترم ارادة الانسان بعد مماته؟
للمرة الثانية، تبكين حفيدة يا جدتي. أنت قد ظلمت فعلا. لا أدري لماذا النحس يرافقك اينما كنت. صحتك ضعيفة، لا يجب أن تحزني. ماذا أقول لك؟ الذنب ذنبي اليوم، فانا اخترت ان اموت واجعلك شاهدة على مأتمي. لم تزوجيني يا جدتي “على إيّامك” كما كنت تقولين. لقد دفنتيني “على إيّامك”…
هو عرسٌ أكثر مما هو دفن. ابدو جميلة في فستان العرس. حتى أنهم وضعوا بعضا من الحمرة على شفتيّ…
أخاف من اللحظة التي سيقفلون فيها التابوت… سيعلو الصراخ، سينفعلون، سيرونني أغادر على وقع الزغاريد، سيرقصون بالتابوت الابيض… قد يرافقني الطبل أيضا…
لا أدري لماذا اهتمّ لهذه الدرجة بدفني، لمَ أريد أن يكون كل شيء منظما وجميلا… أليس الاهمّ اني سأكون قد متّ؟…
لا تتدخّلي في أحلامي!…
صباح الخير يا أمّي.
للمرّة الاولى، أصبحك، منذ ثلاثة عشر عاما. لكن الذنب ليس ذنبي. فأنت لم تزوريني مذاك. ولا مرة. حتى عندما كنت بأمس الحاجة اليك، لم تأتي. عندما كنت أناديك، اشتاق لان أسمع صوتك العذب، لأن أرى وجهك البهي، لملمس يدك الناعم يمسح الدموع عن وجهي محاولا ان يراضيني، لقصة صغيرة أنام دائما قبل أن تصل الى نهايتها… لم تأتي.
تعوّد وجهي ملمس يدي أبي الخشنتين، لكن، لا تجزعي، فهما حنونين. قد أجرؤ أن اقول أحنّ من يديك. لكنّ أبي لم يعد يخبرني قصصا. لم أكن أطلبها أصلا، ولم تعد تنفعني لانام. كان عليه أن يبتكر، كل ليلة، طريقة جديدا، علني أتوقف عن البكاء وطلب رؤيتك.
أساليبه لم تفلح الا نادرا… لكنّ الانسان يا أمّي ينسى. وربّما لهذا السبب سمي كذلك…
لم أعد أذكرك الا صورة معلقة في غرفتي وعلى حائط غرفة جدتي. لم تعودي ذكرى حتى. مجرد صورة معلقة اشيح بنظري عنها ما استطعت… أتحاشاها. ربما لاني اشعر بالذنب: ذنب أن أكون نسيتك!
نعم، نسيتك… حتى الصوت والقصص وذاك الملمس الناعم، لم اعد اذكرهم، وانما اذكر نفسي أطالب بهم باكية. هل أحبّك؟ وهل يحبّ الانسان صورة؟…
ألا تعتقدين من الوقاحة أن تزوريني في الحلم هذه الليلة؟ لا أنكر أنك حركت فيّ بداية بعض المشاعر في هذا الترائي المفاجئ… لكنك حتى لم تتكلفي عناء الظهور، وانما كلمتيني عبر الهاتف! عاتبتك في الحلم، قلت أتعودين الآن هكذا؟ أين كنت في الثلاث عشرة سنة المنصرمة؟ وأعود الآن واسألك لماذا تتدخلين في احلامي، وتقلقيني في ساعات راحتي؟
أظنك الآن تقولين “بأيّ قسوة اصبحت يا ابنتي الصغيرة؟”…
لا يا أمي، هذه ليست قسوة، هذه هي الحقيقة… أقولها بوجهك للمرة الاولى… وهي ربما المرة الاولى التي اعترف بها. لطالما اردتك ذكرى جميلة! الا انك لا تعرفين ان تكوني سوى صورة معلقة او ذكرى مؤلمة…
كريستي أبو فرح
(article written 2 weeks ago)
منطقتي ليست محيّدة!!!
المناطق المسيحية محيّدة… استفيدوا من هذا الواقع، عيشوا حياة طبيعية قدر الامكان، فالقرار لما يصدر بعد باجتياح مدنكم وقراكم، بالاعتداء على منازلكم، باستباحة حرماتكم، باقلاق لياليكم. الفتنة لم تمتد اليكم، الاجرام لما يعث فسادا في شوارعكم، ولا سلاح الغدر صوب نحوكم. ناموا قريري العين، فقد طمأنكم رجل تافه بكلام أتفه منه: ورقة التفاهم وقَت المناطق المسيحية…
في شوارع عين الرمانة، الوضع مختلف. التحسب والترقب سيدا الموقف. من شرفة منزلي أراقب الطرقات. شباب “أمن المنطقة” مستنفرون أكثر من اي وقت مضى.
لا يخفى على احد ان في المنطقة أمن ذاتي. لكن التخوف كبير اليوم. فـ”عين الرمانة العصية عليهم ستشكل طبعا مصدر اغراء، ليدخلوها، ليطلقوا منها الشرارة الاولى للفتنة في الاحياء المسيحية”. الشباب حاضرون ليدافعوا عنها. الجيش منتشر على خطوط التماس القديمة، تحسبا لاي طارئ.
الشائعات تكثر هنا. منذ يومين، قيل انهم “سيدخلون عين الرمانة الليلة”. استنفر الاهالي على الطرقات. لم اعرف اذا حملوا اسلحتهم. لكنهم على الارجح فعلوا. سمعنا الدبابات الموجودة اصلا في المنطقة تتحرك. تدخل الجيش، وعد المتجمعين بانه لن يسمح لاحد بان يدخل البلدة. قيل انهم اقتنعوا بسرعة، وتفرقوا. عاد بعضهم الى مراكز حراسته فيما البعض الآخر صعد الى المنازل.
لا يمكن ان تنام قرير العين في عين الرمانة. أنت اصلا تسمع صوت الرصاص يخترق صمت الليل الذي اصبحت تكرهه، ودوي المدافع التي تعرف انها توجه لقلب عاصمتك، في مكان غير بعيد، لا يفصلك عنه الا الديموغرافيا الطائفية.
اتذكر حرب تموز. كنت حينها في البقاع. تعلمت ان اكره الليل. ان اكره سكونه الفاجر. ان اكره عتمته المخيفة. تعلمت كيف اجلس وانا انتظر ان يلمع الضوء في السماء حتى لا يباغتني دوي الصوت فأخاف.
لكن في حرب تموز، لم يكن هناك طلقات رصاص. كنت حين أسمع الصوت ارتاح لان القذيفة لم تصبني، ولو سقطت على مقربة مني. اليوم الوضع مختلف. حين اسمع رشقات الرصاص، اركض الى الداخل، ابتعد عن النوافذ… أخاف.
لا أنتمي الى عين الرمانة. اعيش فيها فقط لاني لا ادفع ايجارا. الا اني تعودت ان اعيش فيها. كنت أنتظر اليوم الذي اوفق فيه براتب “حرزان” لانتقل الى الحمرا.
انا أنتمي الى الحمرا، الى شوارعها المكتظة، الى مقاهيها ونواديها الليلية. أنتمي الى الحمرا التي تضج بالنشاطات الثقافية… الى مسرح المدينة ومسرح بابل، والغاليريهات المنتشرة في كل ازقتها. الى الطرقات التي تختلط فيها الامرأة المحجبة او تلك التي تلبس الشادور الاسود مع الفتاة المودرن بالـ”ميني جوب”. الى المطاعم التي يتجاور فيها اللبنانيون والعرب والاجانب. الى المقاهي حيث أسترق السمع الى “شيوعي عتيق” يستذكر الامجاد الماضية امام مجموعة من الجيل الجديد…
أنا أنتمي الى شارع بليس النابض بالحيوية، والجامعة الاميركية بنشاطاتها وحفلاتها الموسيقية وندواتها الثقافية.
أنتمي الى قريطم واللبنانية-الاميركية بمعارضها ومسرحياتها.
أنتمي الى الروشة والمنارة، “مشروعي المفضل” متى رغبت بفنجان قهوة او زجاجة بيرة… الى الكورنيش مقصدي حين أريد ان امشي او افكر او انفرد بصديق او حبيب… او حين تغلق المقاهي والـpubs ولا يعود من مكان يحضنني… فألجأ الى البحر… تستقبلني امواجه بالهتاف، واحيانا من كثرة حماستها تقفز عاليا لتعانقني. لا اهرب منها، لا اخاف ان تبللني… احييها ضاحكة.
أنتمي الى وسط بيروت… وهنا الحسرة الكبيرة، والشوق الاكبر! اشتاق الى الجلوس في ساحة النجمة لمراقبة المارة، او المرور بين المقاهي المتداخلة من كثرة الرواد حيث تعبق رائحة النرجيلة… الى رجال الاعمال والسواح وابناء البلد… الى البوظة و”غزل البنات” واطفال يلعبون حتى الصباح… اشتاق الى بيروت… الى الحدائق في بيروت.
انا أنتمي الى هذه البيروت… هذه منطقتي…
منطقتي ليست محيّدة… منطقتي منكوبة!!!
كريستي أبو فرح
أنا اليوم مقاتلة في صفوفكم…
الغضب بدأ يدور في جسدي. يتفشى ولا قدرة لي على ايقافه. يملك رويدا رويدا على عقلي. هي العواطف تنفجر. الغضب، نعم، الحزن، القهر، حتى الحقد… وربما قليل من الخوف أيضا. لم يعد من مكان للعقل. لم يتركوا له مكان. هل هكذا يعدّون جنودهم للحرب؟
أنا الآن مستعدة لاحارب. لاقاتل. لاقتُل. القضية اصبحت تتعلق بقيمتي كانسان، بوجودي، بحريتي، بحقوقي، بكبريائي… الاشياء حولي لا قيمة لها. حولوني وحشا ينتظر اشارة لينهش فريسته، ليمزقها، ليسكر من دمها وينتشي من ألمها. سأقطعها اربا اربا… لن استعجل… سأمعن النظر الى عينيها المرتعبتين. بهدوء، سأسلخ جلدها. ستتألم، ستصرخ… وانا ستبقى هذه الذكرى في مخيلتي. لن تزعجني. سأتفاخر بها امام الجميع. انا قمت بواجبي. انا دافعت عن وجودي، عن حريتي، حرية اليوم وحرية الغد. انا دافعت عن الحاضر وعن المستقبل.
أنا أعرف انهم هم حولوني الى هذا الوحش. او بالاحرى هم ايقظوا الوحش الكامن في داخلي، الوحش الذي سعيت طول حياتي لاروضه. وحش لم اظن يوما انه سيعود اقوى مما كان، اكثر فتكا وغباوة وتمردا.
هو الصراع الآن بين عقلي وبين الشعور… تخبطت فيه، تألمت، أحسست بالخيبة من نفسي، من ذاتي.
انا الآن مقاتلة في صفوفكم، ساحمل السلاح الى جانبكم، سأقتل وأنهش من يقف في وجهي. سأسكر من دم فريستي وأنتشي من ألمها.
اليوم انتصر الشعور عليك يا عقلي. لكن لا تلمني انا، هم عرفوا كيف يحولونها معركة وجودية.
كريستي أبو فرح